قصة إسلام أبا العاص بن الرَّبيع حُبًا لزينب /بقلم الكاتبة منى محمد رزق "أم أبيها"


       

     نُحن في زمن إذا أحب أحدًا قيل عنهم روميو وجولييت وناسوا دينهم وما فيهم من قصص حب عظيمة يُضرب بها المثل على أكمل وجه فهذا أبا العاص كان بين أهلهُ سيدًا ذا مالًا وجاه، ولما جاء الإسلام وأمر رسول الله أن تفارقه زينب جاءها أبا العاص مُعلنًا الحب بل مُعلنًا موت أبي العاص الكافر و ميلاد أبي العاص المؤمن، يارسول الله إني لا أطيق العيش دون زينب، أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمد رسول الله. 


   وفاء وحب أبي العاص لزينب 

      

     أخذ عبيرُ الإسلام يعّطرُ الأجواءُ في مكةَ المكرمِة، وراحتِ القلوبُ الكبيرةُ تهمسُ بحبَّ الإِيمان، وتتصلُ بخالقها الذي أرسلَ بالهدى و ديْنِ الحق ليظهره على الدَّين كلَّه، وتتابَع النَّاسُ يدخلون في دِيْنِ الله أفواجًا، رجالًا ونساء، بينما طاشتْ عقولُ بعض سادات قريش، وبغضوا الدَّين الجديد، وحاربوه بكلّ الوسائل. 

فأخذا خيالهم الشَّيطاني بإن يشغلوا النبي ﷺ عن أمر الدعوة ببناتِهِ فقالوا:  إنكم قد فَرَغْتُم محمّدّا منْ همّه،  فردَّوا عليه بناته، فأشغلوه بهنَّ. 

وذهب سادات الكفار من قريش إلي أبي العاص بن الرَّبيع، وبعد حديثٍ طويل عن الدعوة، وعن النبي ﷺ، وقربوا له وبعدوا، ثم قالوا-بعد أن ظنوا أن أبا العاص قد لان في أيديهم-: فَارق صاحبتَك بنت محمَّد، ونحن نزوجك أي امرأةٍ شئت من قريش. 

وظنوا أنه قد لان  ، ولكن كيف وهو لا يطيقُ فراقَ ابنة خالته، التي لم يَرَ منها إلا كل خير و وفاءٍ، وفوجىء القوم الكافرون  بأبي العاص وهو يقولُ بوضوح: لا أفارق صاحبتي وما أحبّ أن لي بامرأتي امرأة من قريش. 


لم يطيق فراق زينب وهي على غير دِينه، فهو يحبُّ زينب، و يجلَّ أباها،  ولكن مفارقة دِين قريش كان يصعب عليه صعوبة شديدة، ولكن لكلّ أَجَلٍ كتاب. 


        أبي العاص الأسير 


       هاجر الحبيب الأعظمﷺ إلى المدينة المنّورة، ولحق بأصحابهِ، بينما ظلت زينب في مكة في بيتِ زوجها أبي العاص تنتظر أمْرُ الله عزَّ وجلَّ في الهجرة،  وظل قلبها يخفق حتى جاءها الخبر اليقين بأنَّ أباها ﷺ قد استقر فى عرين الأنصار، وفي العام الثَّاني من الهجرة خرج مشركي مكة نحو المدينة المنورة لقتال المؤمنين. 


 يا الله كيف كان شعور زينب حين ذلك، خرج زوجُها مع المشركينَ لقتال أباها ﷺ بل كيف كان شعور أبا العاص الذي كان يجلَّ أباها، أعتقدُ أنَّ أبا العاص خرج كارهًا للقتال. 

دفع أبو جهل بن هشام بقريش وفتيانها دفعًا لبدء المعركة، و امتشق أبي العاص سيفه، وهو يرجو أن لا يلقى أحدًا من المسلمين، وبل أخص النبيﷺ، حيثُ التقى الجمعان على مياه بَدْر، ودارت الحرب فى شراسة شديدة تعبأت لها القلّة المؤمنةُ من المسلمين مستهدفة إعلاء كلمة الله عزَّ وجلَّ، ودارت الحرب وماهي إلا جولة وأخرى حتى تحقق النصر للمسلمين. 

وراح المسلمين يقتلون فريقًا، ويأسرون فريقًا، بينما هرب باقي المشركين نحو مكة، حيثُ وقع العاص بن الرَّبيع في الأسر وقد أَسرهُ عبدالله بن جُبير الأنصاري، وكان أبو العاص من الذين لم يسمع لهم صوت في المعركة، ولم يعرف لهم رأي،  ولا شُوهدت لهم قتالٍ في جولة و قُرن في الحِبال مع زملائه الذين كتب عليهم الإسَار في هذه المعركة الفاصلة. 

  *  نجاة أبا العاص من الأسر بقلادة زينب


    عاد به خياله إلى واقعه، إنه أسيرُ مع الأسرى في مدينةِ رسول الله، تُرى ما حال زينب؟ إنه يحسُّ ويدرك تمامًا أنها لا تعدل أبيها أحدًا. 

ولكن زينب كانت تدعو الله إن يشرح قلب أبا العاص للإسلام، وإذا بأيام قلائل وجاء من يخبر زينب بأن أبا العاص وقع أسيرًا في يد أباها، بالإضافة لسبعين من المشركين قد وقعوا أيضًا في الأسر، وها هم أهلوهم يتجهزون للخروج إلى المدينة المنورة ليدفعوا الفدية إلي المسلمين. 

لجأت زينب إلى أهل زوجها ولكنها كانت تود لو تفتدي هى زوجها وترى أبيها وتهنئه بنصر الله ولكنها بين قوم أصبحوا حاقدين على أبيها ولو خرجت لأوذيت أذىً شديدًا فذهبت لهم ليذهبوا في فداء أبي العاص، فقدم عمرو بن الرَّبيع في فداء أخيه أبي العاص بن الرَّبيع، فقدّم لرسول الله ما أرسلت به ابنته زينب في فداء زوجها أبي العاص، فإذا به مال وقلادة لها، كانت أمّها خديجة الطاهرة، قد أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها في مكة، حتى تتحلّى بها، فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة، ترقْرَق الدَّمع في عينيه الشريفتين، فتذكرﷺ برؤيته هذه القلادة ابنته الكبرى، في مكة وحيدة مع زوجها مسلمة مؤمنة، وهو على كفره لم تفكر قط في مفارقته، لأنَّه كان حفيًا بها، وفيها ذكريات السيدة خديجة الطاهرة، وفرحها وهي تدخلُ على ابنِ أختها هالة بنت خويلد، وتحلّيها بأحسن ما عندها من الحلّي، وتزينها بقلادة تهديها إليها في فرحة العمر، فتقدمها زينب فداء زوجها طيبة بها نفسها، وفاء لحياتها الزَّوجية مع أبي العاص ابن خالتها، فيعظم ذلك في نظر رسول الله ﷺ. 

فتوجّه النبي إلى أصحابهِ الكرام متلطَّفًا يطلبُ إليهم في رجاءِ الأعزَّ الأكرم، جاء يدفعهم إلى العطاء ولا يسلبهم حقَّهم في الفداء، فقال ﷺ لهم: "إنْ رأيتم أنْ تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا" 

قالوا: نعم يا رسول الله 

فأطلقوا أبا العاص بن الرَّبيع، وردوا إلى زينب متاعها. 

       هجرة زينب للمدينة

       عندما سرحَ الحبيب المصطفى ﷺ أبا العاص من الأسر، خرج أبو العاص عائدًا إلى مكة فرحًا مسرورًا، وقبل أن يتوجه إلى بيتهِ، طاف بالبيت العتيق سَبعًا، ثم توجه وهو في شوقٍ شديدٍ إلى زينب؛ الزوجة الوفية التي بعثت في فدائه بأعزَّ ما تملك؛ قلادتها الغالية. 

      

 وتذكر أبو العاص كيف رق رسول الله ﷺ عندما رأى القلادة،  وتذكر أيضًا أنه وعد رسول الله ﷺ أن يخلي سبيل زينب ويرسلها إلى المدينة النبوية المنورة، لكي تكون مع أخواتها في رعاية أبوية، تعوضها عن مرارة الفرقة والبعد فيما مضى من الزَّمان. 

إنَّه وعد أليمُ موجع لقلب أبي العاص، ولكنه لا يستطيع أن يخلف وعده، وإلا لطخ أمانته بالأوحال، تلك الصفة التي اشتهر بها بين قومه. 

ها هو قد بلغ داره، وما إن وقعت عينا زينب عليه حتى جرت إليه، ودموع الفرح تغسل وجهها، سعد أبا العاص بهذا اللقاء بعد الغياب الطويل، ولكن تذكر وعده لرسول الله ﷺ فإذا به يقول لزوجهِ زينب: لقد وعدتُ أباك أن تلحقي به، وسأفي بما وعدته، فقد كان كريمًا معي 

وهنا دُهشت زينب، تكادُ لا تصدق ما تسمع، ولكنَّ أبا العاص أكد لها ذلك وأفهمها أن الإسلام قد فرق بينهما.

    وتجهزت زينب رضي الله عنها حتى إذا ما فرغت من جهازها، تقدم أخو زوجها كنانة بن الرَّبيع، وحملها على بعير فركبته، وأخذ قوسه، وكنانته، ثم خرج بها نهارًا يقود بعيرها، وهي في هودجً له‍ا، وتحدث بذلك الرجال من قريش، والنساء كذلك، وأقبل بعضهم على بعضٍ يتلاومُون، وخرجوا في طلبها سراعًا حتى أدركوها ب"ذي طوى"موضع بقرب مكة، وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب، ونافع بن عبد عمرو، فروعها هبار بالرمح وهي في هودجها، وكانت حاملًا، فغدت تنزف دمًا، فما كان من حموها كنانة بن الرَّبيع إلا أن برك، ونثر كنانته بين يديه، وأخذ منها سهمًا فوضعه في كبد قوسه،  وراح يهدد القوم قائلًا: والله لا يدنو مني رجلُ إلا وضعت فيه سهمًا. 

فرجع الناس عنه وخافوه، وأتى أبو سفيان ابن حرب في جِلّة من قريش وقال: أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك. 

فكف كنانة، و وقف، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه وقال له: أيها الرجل، إنك لم تصب، ولم تحسن، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية جهارًا في وضح النهار، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمّد أبيها بالأمس القريب، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية أن ذلك على ذل أصابنا، وأن ذلك منا وهن وضعف، ولعمري ما لنا في حبسها عن أبيها من حاجة، وما فيها من ثأر نثأره، ولكن أرجع اليوم، حتى إءا هدأت الأصوات، وتحدث الناس أرددناها، فإذا كان الليل، أخرجها خفية، وألحقها بأبيها، وإذ ذاك لا يكون عليك أو علينا حرج. 

وراحت زينب رضوان الله عليها تنظُر إلى الدم الذي ينزفُ منها في خوفٍ، ورأى كنانة بن الرَّبيع أن يعود بها إلى مكة استجابة لتوسل أبي سفيان ومن معه، وحفظًا لحياة زينب ابنة الرَّسول رضى الله عنها.

مكثت زينب بضعة أيام حتى استردت بعض قواها، خرج بها كنانة ليلًا، ولما أمر النبي بترك أبا العاص، بعث بعده زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار وقال لهما "كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحابنها حتى تأتياني بها" وذلك بعد بدر بسنة 

وسارَ الرجلان حتى قدما بزينب  على النبيﷺ فستقبل ابنته العزيزة الكريمة العائدة إلى دار الإسلام 

     * إسلام العاص 

أقام أبو العاص زمنًا على الشرك وذلك بعد هجرة زينب، وكان يعمل بالتجارة، فخرج تاجرًا إلى الشام قبل فتح مكة-وكان رجلًا مؤمونًا-وكانت معه بضائع وأموال لقريش، بالإضافة إلى ماله، ودخل أبو العاص الشام، وباع وربح أمولًا كثيرة، فلما رجع من تجارته، لقيته سرية لرسول الله ﷺ قوامها سبعين ومئة راكب يرأسها زيد بن حارثة؛ وأحاط زيد ومن معه بعير قريش، وجد أبا العاص رجال القافلة عاجزون عن الدفاع فأسلموا أنفسهم وفر أبا العاص وأقبل أبا العاص في الليل حتى دخل على زينب فستجار بها فأجارته، وسألها أن تطلب له من رسول الله ﷺ رد ماله عليه، وما كان معه من أموال الناس فوعدته خيرًا. 

 فلما كان النبي في صلاة الفجر، إذ بصوت زينب تقول "أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الرَّبيع" 

فلما قُضيت الصلاة ذهب الحبيب المصطفى ﷺ فدخل على ابنته ليعرف حقيقة الأمر، ثم قال لها: "قد أجرنا من أجرت، والمؤمنون يدَّ على من سواهم يجير عليهم أدنهم" 

سألته زينب أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه، فصمت النبي ﷺ قليلًا، ثم أمرها إلا يقربها ما دام مُشركًا وقال: "أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلَّين له" 

فخرج رسول الله ﷺ لأصحابه وقال لهم "إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالًا فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له، فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيءُ الله الذي أفاء عليكم، فأنتم أحق به" 

فقالوا جميعًا: بل نرده عليه يا رسول الله  . 

فذهب أبا العاص لمعشر قريش بأموالهم، ثم نادى فيهم يا معشر قريش هل بقى لأحدٍ منكم معي مال لم ارده عليه؟ 

قالوا: لا قد وجدناك وفيًا كريمًا. 

وعند ذلك أعلن أبا العاص إسلامه، وشهد شهادة الحق وقريش مجتمعون عليه وشهد أن لا إله إلا الله وإن محمد رسول الله، ونادى يا معشر قريش ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم ألا خشية أن تظنوا بي إنَّما أسلمت لأذهب بأموالكم. 


وذهب لرسول الله ﷺ يقول يا رسول الله إني لا أُطيق العيش دون زينب، فرد عليه ﷺ زوجته وابنة خالته زينب. 


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اخترتُ طريقي...

حوار صحفي مع الكاتبة: إسراء

سجين بقلم/مى شريف